شروط الحيازة وعوارضها:دراسة على ضوء أحكام مدونة الحقوق العينية وقواعد الفقه الإسلامي والاجتهاد القضائي

                                          موجز في شروط الحيازة وعوارضها

                               دراسة على ضوء أحكام مدونة الحقوق العينية وقواعد الفقه الإسلامي والاجتهاد القضائي

 

                                                                                       ذ/ الحسن أولياس

                                                                            باحث في العلوم القانونية والإدارية

 

                                                    تمهيد

 

          صدر بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27ذي الحجة 1432، الموافق ل:24 نونبر2011، الظهير الشريف رقم 1.11.178 الصادر بتاريخ 25ذي الحجة 1432(22نونبر2011)، بتنفيذ القانون رقم 39.08، المتعلق بمدونة الحقوق العينية، هذا القانون الذي أصبح ساري المفعول بعد ستة أشهر من نشره بالجريدة الرسمية المذكورة، وفقا لما قضت به المادة الأخيرة منه (المادة334 من مدونة الحقوق العينية).

         ومن المعلوم، ان اصدار القانون المذكور جاء في السياق العام، لجمع وتوحيد القواعد المؤطرة للعقار بصورة عامة، بشكل يضمن الرجوع الى نص قانوني موحد من جهة عوض نصوص قانونية وقواعد فقهية متفرقة، وكذا تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية او ما يعبر عنه بالأمن العقاري من جهة ثانية، فتوحيد النصوص القانونية للعقار في إطار مدونة شاملة ومكتملة يسهل على المتعامل في العقار الاطلاع على تلكم النصوص، كما يسهل مأمورية القاضي في النزاعات المرتبطة بالعقار عموما على التطبيق السليم لها باعتبارها مرجعية موحدة.

          فقبل صدور القانون المتحدث عنه، لم يكن هناك مرجع قانوني خاص ينظم العقار الغير المحفظ بالمغرب، بل كان القضاء يرجع في البت في المنازعات المرتبطة بهذا الصنف من العقارات إلى القواعد الفقهية وخاصة الراجح والمشهور وما جرى به العمل في فقه الإمام مالك، وقد أدى الأمر كذلك إلى تضارب الأحكام والقرارات القضائية تبعا لتعدد وتشعب الآراء والمقتضيات الفقهية في هذا الإطار.

         ومما تجر الإشارة إليه، أن مدونة الحقوق العينية المغربية تضمنت كذلك في صياغتها، اغلب القواعد القانونية التي كان يؤطرها ظهير 02 يونيو1915، والذي كان يطبق على العقارات المحفظة فقط (أي مرحلة ما بعد تأسيس الرسم العقاري للعقار الغير المحفظ، وما يرد على العقار المحفظ من حقوق وتقييدات وتشطيبات… ليس الا)، وقد برر بذلك واضعوا مشروع المدونة بكون هذه القواعد هي قواعد موضوعية مستمدة من الأحكام الفقهية والأعراف المعمول بها، وبالتالي فهي تنظم الحق العيني سواء تعلق الأمر بعقار محفظ او غير محفظ.

        وتشمل مدونة الحقوق العينية 334 مادة، موزعة على فصل تمهيدي يتضمن الأحكام العامة (المواد من 1 الى 13)، وكتاب أول يرتبط ويتحدث عن الحقوق العينية الأصلية (الفصول 14 الى 221)، وكتاب ثاني يتناول أسباب كسب الملكية والقسمة العقارية (الفصول من 222 الى 334)، هذا الكتاب الأخير الذي شمل مادتين فريدتين، وهما:

الفصل 333 الذي ينص على ما يلي:

” ينسخ هذا القانون الظهير الشريف الصادر في 19 رجب 1333(02 يونيو1915) الخاص بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة”

والمادة 334 المشار إليها انفا، والتي تقضي بما يلي:

” يسري العمل بهذا القانون، بعد ستة أشهر من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية”. (1)

ومن بين المؤسسات القانونية المنظمة بموجب مدونة الحقوق العينية: مؤسسة الحيازة، حيث تم تنظيم أحكامها وشروطها وعوارضها ،ومن هذا المنطلق فان موضوع هذه الدراسة، سيتم التعريف فيه بمؤسسة الحيازة، وشروطها القانونية مع بيان سماتها وعوارضها وفق أحكام مدونة الحقوق العينية المغربية، في دراسة للموضوع أيضا من خلال قواعد الفقه الإسلامي وكذا بعض اجتهادات محكمة النقض .

                                         المبحث الأول: التعريف بالحيازة وشروطها

 

الفرع الأول: التعريف بالحيازة لغة وفقها وقانونا

يقصد بالحيازة من الناحية اللغوية الضم والسيطرة، فيقال حاز الشيء إذا ضمه إليه وسيطر عليه، وفي الاصطلاح الفقهي، السيطرة الفعلية أو القانونية على مال منقول أو عقار أو حق عيني كحق المرور وحق ارتفاق وحق الانتفاع، والحيازة نمطان: حيازة استحقاق وحيازة تصرف.

فحيازة الاستحقاق أو الحيازة الاستحقاقية هي الحيازة التي يستحق بها الحائز ملكية الشيء المحوز، ويملكه بها في حال استكمال شروطها،وتستلزم توفر عنصران، عنصر معنوي، هو نية تملك الحائز للشيء المحوز، وعنصر مادي وهو السيطرة الفعلية على الشيء المحوز.

في حين، فحيازة التصرف أو الحيازة التصرفية فهي الحيازة العرضية أو الحيازة المادية التي تعطي للشخص حق الانتفاع بالشيء المحوز دون نية تملكه له، أي أن تكون حيازته على الشيء من يد الغير المعروف بمقابل كالكراء أو بدونه، على شرط أن يبقى المالك مالكا للعقار المحوز ولا تملكه الحائز بهده الحيازة ولو طالت، (2)


هذا وتجدر الإشارة إلى ان المشرع المغربي نظم أحكام الحيازة الاستحقاقية في المواد من 239 إلى 257 من مدونة الحقوق العينية، على نحو يدل على مدى أهميتها، بالنظر للحقوق العينية الأصلية والتبعية على حد سواء،

غير ان الحديث عن أحكام الحيازة طبقا للنصوص القانونية المذكورة -التي سيتم شرح مقتضياتها من خلال محاور هذه الدراسة -ينبغي الا يتم بمعزل أيضا عن مقتضيات المادة3 من نفس القانون التي ربطت صحة عقود التفويت المترتبة على العقارات الغير المحفظة بوجوب اقترانها بأصل الملك من جهة وحيازة المفوت له العقار حيازة مستجمعة لشروطها القانونية (3)

          وعموما، فالحيازة، فالحيازة هي السلطة الواقعية أو السيطرة الفعلية على شيء منقولا كان أو عقارا أو على حق عيني مترتب على شيء، شريطة ألا تكون الأعمال التي تنم عن هذه السلطة أو السيطرة من قبيل الأعمال التي يأتيها شخص على أنها مجرد رخصة من المباحات أو التي يتحملها الغير على سبيل التسامح.

 

الفرع الثاني : شروط الحيازة

يشترط لصحة الحيازة، مجموعة من الشروط، حددها الفقه الإسلامي وكذا مدونة الحقوق العينية في مادتها 240، فيما يلي:

1 – وضع اليد على الملك: ومعناه وضع اليد على الشيء المحوز، والسيطرة الفعلية عليه، وقد وضح الفقيه القرافي في كتاب الفروق معنى وضع اليد، بانه عبارة عن ” القرب والاتصال والبسط”، وقد ورد في قرار قديم لمحكمة النقض بتاريخ 15/07/1968:” ان كل ما سبقت يده الى شيء لايخرج من يده الا بيقين وان واضع اليد غير مكلف بإثبات شيء اذ ان وضع اليد يعتبر حجة يجب ان يعارض بحجة اقوى”،

2  – التصرف في الملك والنسبة: والمقصود به، مباشرة الحائز لمختلف أنواع التصرفات الشرعية في الملك، من استعمال واستغلال وتفويت، ومصدر ذلك في الفقه الإسلامي قول خليل: ” وصحة الملك بالتصرف”، وفي هذا الإطار ورد في قرار لمحكمة النقض بتاريخ 21/03/1967: ” ان التصرف عام لا ينحصر في الحرث والغرس بل يشملهما وغيرهما من الرعي والحفر وغير ذلك” 

3  – النسبة: بحيث ينسب الحائز الملك لنفسه والناس كذلك، بان يقول الحائز ملكي او ما شابهه مما يفصح عن نسبة الملك اليه، وهكذا جاء في قرار لمحكمة النقض عدد 1116 في الملف العقاري 2309/1/9/95: ” ان من شروط اثبات الملك النسبة، كما جاء في العمل الفاسي ان التنصيص على ذكر النسبة في الوثيقة لازم سواء كانت علمية او استرعائية”

4 عدم المنازعة: بمعنى ان الحيازة يجب ان تكون غير منازع فيها من قبل الغير طيلة المدة المقررة قانونا، بمعنى ان الحيازة يجب ان تكون هادئة طيلة المدة المقررة لا يتخللها نزاع، بشكل يكسب الملك للحائز، وهو ما أكدته محكمة النقض من خلال قراراتها، منها قرارها عدد 121 بتاريخ 14/1/2004، في الملف عدد 3447/1/2002، وقرارها عدد 3453 بتاريخ 24/10/2007 في الملف عدد 1376/1/1/2007.

5 – استمرار مدة الحيازة: والمراد به المقدار الزمني المعول عليه فقها وقضاء على حوز الملك والتصرف فيه ، وهو على نوعين نوع يهم ما جهل اصل الملك فيه(مدة الحوز :10 اشهر)، ونوع اخر يكون فيه اصل الملك معروفا لشخص معين(مدة الحوز: 10 سنين او اكثر)، وقد طبق الاجتهاد القضائي هذا المقتضى في عدة قرارات، منها القرار عدد11 بتاريخ 26 اكتوبر1966، والقرار عدد 617 بتاريخ 13/02/2008 في الملف المدني عدد 4042/1/1/2006 وكذا القرار عدد 1065 بتاريخ 28/03/2007 في الملف عدد 142/1/1/2006، كما يجب التذكير كذلك ان المادة 244 من المدونة تطرقت لمسالة استمرار الحيازة من حائز لأخر، وهو ما تعرض له الفقهاء واسموه بالتلفيق، أي ان الحيازة في الفقه الإسلامي تلفق بين الخلف والسلف.

– في حالة وفاة الحائز، يشترط بالإضافة الى ما سيق أعلاه، شرط عدم التفويت: ومعناه في الحالة التي يحرر فيها الشهود الرسم بالملك والحيازة لورثة شخص متوفى(حائز)، يجب ذكر شرط عدم التفويت من قبل الحائز المتوفى لان التفويت من قبله للملك معناه خروج العقار من يده وبالتالي تنتفي واقعة استمرار الحيازة. (4)

     وعموما، فان صياغة المدونة لأحكام الحيازة، جمعت ما سبق ان تم تنظيمه في الفقه الإسلامي، فقد جاء في تحفة الحكام:

 والاجنبي ان يحز أصلا بحق……………عشر سنين فالتملك استحق

وانقطعت حجة مدعيه ………………… مع الحضور عن خصام فيه

الا إذا اثبت حوزا بالكرا……………………او ما يضاهيه فلن يعتبرا

وورد في لامية الزقاق:

 يد نسبة طول كعشرة أشهر…………وفعل بلا خصم بها الملك يجتلا

وفي مختصر خليل:

” وصحة الملك بالتصرف، وعدم المنازع، وحوز طال: كعشرة أشهر

المبحث الثاني:عوارض الحيازة وأسباب عدم الاعتداد بها فقها وقانونا وقضاء

        الفرع الأول: عدم قيام الحيازة الاستحقاقية لغير المغاربة مهما طال أمدها

ا- تحديد المقصود بالغير المغربي:

           مما يجب التذكير به، ان الغاية من ايراد عبارة ” الجنسية ” في النصوص القانونية ذات الصلة بالتحفيظ العقاري (5 ) هو تمييز المغربي عن الأجنبي( الغير المغربي) ،  فيما يرتبط بادعاء التملك، غير ان هذا التمييز لا ينصب على جميع أنواع الحقوق المطالب بتحفيظها او التعرض ضدها وانما يلتصق أساسا بنوع معين منها فقط حسب القوانين المنظمة والمؤطرة  للموضوع  من جهة، وما اسفرت عليه الممارسة القضائية في المنازعات المثارة من جهة ثانية ، وبعبارة اصح ان مسالة البحث في الجنسية يطرح عند الادعاء بتملك أراضي فلاحية او قابلة للفلاحة او حقوق عينية مترتبة عليها.

          الا ان السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ما المقصود بعبارة الأجنبي او الشخص ذو جنسية غير مغربية.
ان الحديث عن تحديد ” ذوو الجنسية الغير المغربية” يقتضي الوقوف على محطات قانونية متعددة منها التمييز ما بين الشخص الغير المتوفر على جنسية مغربية أصلا (الأجنبي) ، وبين المغربي الذي فقد جنسيته لسبب من الأسباب ( حيازة جنسية اجنبية كجنسية اصلية، صدور مرسوم بالتخلي عن الجنسية المغربية ونشره في الجريدة الرسمية بعد تقديم المعني بالأمر لطلب بذلك….الخ)، وأيضا المغربي الذي تم تجريده من جنسيته( صدور عقوبة بعدم ولاء الشخص للنظام المغربي الذي اكتسب جنسيته، صدور عقوبة من اجل عمل يعد جناية او جنحة تمس بسلامة الوطن الداخلية او الخارجية، …الخ).
(6)

       مهما يكن من امر، وفي نظرنا المتواضع فان مفهوم الاجنبي، ينبغي ربطه بالمادة الاولى من القانون رقم 02.03 يتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.03.196 بتاريخ 16 من رمضان 1424 (11 نوفمبر2003)، (7) الذي اورد في الفقرة2 من مادته الاولى، ما يلي:

” يراد “بالأجانب” في مدلول هذا القانون، الأشخاص الذين لا يتوفرون على الجنسية المغربية أو الذين ليست لهم جنسية معروفة أو الذين تعذر تحديد جنسيتهم.”، كما ان القانون التونسي ذهب الى التأكيد بان الاجنبي هو كل شخص لا يحمل الجنسية التونسية بقطع النظر عن كونه مقيما بالتراب التونسي أم لا. (8)

 

ب –عدم قيام الحيازة الاستحقاقية للملك لغير المغربي:

            تنص المادة 239 من مدونة الحقوق العينية، على ما يلي:

    ” تقوم الحيازة الاستحقاقية على السيطرة الفعلية على الملك بنية اكتسابه

ولا تقوم هذه الحيازة لغير المغاربة مهما طال امدها

فالحيازة الاستحقاقية للملك لا تقوم بالنسبة لغير المغاربة مهما طال امدها، غير ان تأطيرمقتضيات هذه المادة مقرون بالأراضي الفلاحية او القابلة للفلاحة لا غير، شانه في شان تملك الاجانب (اي غير المغاربة) لهذا النوع من الاراضي) الذي ينعدم أثره ما لم يكن مقرونا بترخيص اداري.

          ولا شك ان الاجتهاد القضائي المغربي، ومن ذلكم محكمة النقض كانت سباقة لتكريس مقتضيات الفقرة الاخيرة من المادة 239 اعلاه، فقد جاء في أحد قراراتها:

حيث تعيب الطاعنة على القرار المطعون فيه، بخرق الفصل345 من قانون المسطرة المدنية، وخرق قواعد الحيازة وانعدام التعليل، وعدم ارتكازه على أساس، ذلك انه من الثابت ان الدولة المغربية قد استرجعت هذه القطع الأرضية سنة1960 ومن الثابت ان الفرنسي الذي كان يحوز هذه القطع قد استغلها خلال 20 سنة أي منذ سنة1944، وان الامر يتعلق في هذه الحالة بالحيازة وان محكمة الجوهر تفرق بين المغربي وغير المغربي في مبدا الحيازة وان الطاعنة لم تتكلم عن الملكية وخصوصيتها بالنسبة للأجانب وان شروط الحيازة متوفرة بالنسبة للشخص الذي كان يوجد في هذه القطعة وان محكمة الجوهر عندما لم تتعرض للحيازة وقيمتها في التملك، تكون قد جعلت قرارها معرضا للنقض.

      لكن حيث انه بمقتضى المادة الحادية عشر من معاهدة مدريد سنة1880 المنعقدة بين الدولة المغربية والدول الأجنبية، فان حق تملك الأجنبي( غير المواطن المغربي)، للعقار يكون بإذن من الدولة المغربية وقد نقلت هذه المادة الى المادة ستين من عقد الجزيرة الخضراء المبرم سنة1906، وهكذا ابيح للأجانب حق تملك العقار بشرط حصولهم على اذن خاص من الحكومة المغربية وفي حالة عدم حصولهم على هذا الاذن يعتبر تملكهم غير مرتكز على أساس قانوني، وبالتالي تنطبق عليهم والحالة هذه حكم الغاصب ولا تنفعهم الحيازة ولو طالت، لذلك فان المحكمة كانت على صواب عندما لم تعتبر حيازة المعمر موريس وصرحت بانه مواطن فرنسي لا يمكن له ان يتملك في المملكة المغربية ارضا بدون شراء وبدون اذن خاص من الجهات المختصة ، فالوسيلة لا ترتكز على أساس”.(9).

ومن ثمة فان حيازة الأجنبي للعقار الفلاحي او القابل للفلاحة بالمغرب، مقرون بضرورة الحصول على اذن بذلك من لدن السلطات المختصة تحت طائلة عدم الاعتداد بحيازته، شانه شان تملكه لذلكم النوع من الأراضي.

 

الفرع الثاني:عدم قيام الحيازة المبنية على الغصب والاكراه:

                   نصت المادة 241 من مدونة الحقوق العينية، على ما يلي:

  ” لا تقوم الحيازة إذا بنيت على عمل غير مشروع “

              كما أوردت المادة245 من نفس المدونة:

” إذا اقترنت الحيازة بإكراه، او حصلت خفية او كان فيها لبس، فلا يكون لها أثر الا من الوقت الذي تزول فيه هذه العيوب، كما لا يكون للحيازة أثرإذا كانت متقطعة او غير مستمرة

تعتبر الحيازة مستمرة من بدء ظهورها إذا استغل الملك بكيفية اعتيادية ومنتظمة وبدون منازع”

              فقد تكون الحيازة مستمرة وظاهرة، ولكن مع ذلك يشوبها عيب الاكراه او عدم الهدوء، ومن ثمة فان من شروط الحيازة الخلو من هذين العيبين.

              غير ان من يدعي الغصب والاكراه، يجب عليه اثباته ابان وقوعه تحت طائلة عدم سماع دعواه، وهذه القاعدة سبق لمحكمة النقض ان اقرتها في العديد من القرارات أيضا، وقبل تقنينها بموجب احكام مدونة الحقوق العينية فقد جاء في أحد قراراتها، ما يلي:

 ”  … لكن حيث انه  يتجلى من مستندات الملف ان الطاعنين لم يثيروا أي دفع بشان تحديد العقار المطلوب تحفيظه، من حيث مساحته وان طالبة التحفيظ لم تقر بتواجد المتعرضين في القطعة المتعرض عليها، وانها اكدت في مستنتجاتها أمام المحكمة بأنها تحوز هذا العقار، وتتصرف فيه منذ سنين طويلة، وان المحكمة غير ملزمة بتطبيق الرسوم على المدعى فيه،…..وأن الحيازة المسقطة لسماع الدعوى هي الحيازة بوجه شرعي، ولم يسبق لهم أن دفعوا بعدم انطباق رسوم التسليم على المدعى فيه أمام محكمة الموضوع، ولذلك فان القرار المطعون فيه حينما علل بان موروث المستأنفين سلم المدعى فيه للدولة المغربية بموجب رسوم التسليم عدد….. وأن ما قالوه أن المدعى فيه سلب منهم قسرا من قبل المستعمر الفرنسي لم يثبتوه بمقبول شرعا …يكون القرار المذكور معللا ومرتكزا على أساس قانوني، والسبب بالتالي بجميع فروعه غير جدير بالاعتبار” (10)

              كما ورد في قرار أخر ان إقامة منشئات على عقار قهرا لا ينفع الغاصب ولا تنفعه حيازته تبعا لذلك ولو طالت.(11)

                  وبالتالي، فالحيازة وعلى وجه العموم لا يكون لها أثر، إذا اقترنت بإكراه، او كانت خفية او كان فيها لبس ما، الا من الوقت الذي تزول فيه هذه العيوب، كما انها غير ذات أثر أيضا إذا كانت متقطعة وغير مستمرة.(12)

الفرع الثالث:عدم قيام الحيازة إذا انصبت على ملك من أملاك الدولة العامة والخاصة وغيرها:

         من بين ما زكته مدونة الحقوق العينية أيضا أثناء تنظيمها لمؤسسة الحيازة، عدم جواز الاعتداد بهذه الأخيرة متى انصبت على ملك من أملاك الدولة.

         فقد ورد بالمادة261، ما يلي:

        ” لا تكتسب بالحيازة:

       – أملاك الدولة العامة والخاصة

       – الأملاك المحبسة

       – أملاك الجماعات السلالية

     – أملاك الجماعات المحلية

     – العقارات المحفظة

     – الأملاك الأخرى المنصوص عليها صراحة في القانون”

        فحينما يتعلق الامر بأحد هذا النوع من الأنظمة العقارية، فلا يتصور قيام حيازة الغير بشأنها، وتعد تبعا لذلك في حكم العدم.

          – أملاك الدولة العامة والخاصة: لا تقبل الحيازة نظرا للصبغة العمومية التي تتسم بها الأملاك العامة، وخصوصيات أملاك الدولة الخاصة كذلك.

          – الأملاك الحبسية: لا محل لاكتسابها أيضا بالحيازة، اعتبارا لكون ذلك يتنافى مع الغاية المتوخاة من الحبس من جهة، ويتناقض مع إدارة المحبس والمقتضيات القانونية الواردة بالفصل51 من مدونة الأوقاف من جهة ثانية

         – أملاك الجماعات السلالية: بدورها لا مجال لاكتسابها بالحيازة مهما طال امدها، عملا بالفصل 4 من ظهير24 ابريل1919 المنظم للأراضي الجماعية

        – الجماعات المحلية: لا يتصور أيضا اكتسابها بالحيازة عملا بظهير 27 ابريل1919 المنظم للأراضي الجماعية

        – العقارات المحفظة:   فلا تؤثر الحيازة على عقار محفظ مهما طال امدها، لان التحفيظ يطهر العقار من أي حق.

        – الأملاك الأخرى المنصوص عليها صراحة في هذا القانون: فالحيازة بدورها لا تؤثر على هذه الاملاك.

         هذا، ويشار الى ان محكمة النقض سبق لها ان اكدت على كون حيازة الغير وتمسكه بها بشأن أملاك الدولة لا تنتج أي اثار قانونية، سواء من خلال قرارات صادرة عنها قبل دخول القانون08/39 حيز التنفيذ او بعد ذلك،

ومن هذه القرارات الصادرة قبل تقنين المادة216 المذكورة:

قرار محكمة النقض عدد2871 بتاريخ12/09/2007 الذي جاء فيه:… حيث صح ما عابته الطاعنة على القرار ذلك أنه اعتبر أن ” الحيازة المطلوبة مدة عشر سنين مكسبة له تملك ولو ثبت ملك من قبله بالنسبة للملك الخاص للدولة لأن الشهادة له بالحيازة المذكورة دون منازع تثبت الملك عملا بقول المتحف والأجنبي إن يحز أصلا بحق // عشر سنين فالتملك استحق ” في حين أن القاعدة التي اعتمدها القرار لا تسري تجاه الدولة فيما إذا ثبت أصل الملك لها. الأمر الذي يكون معه القرار فاسد التعليل المنزل منزلة انعدامه مما عرضه بالتالي للنقض والإبطال” (13)

ومن القرارات الصادرة بعد تقنين تلكم المادة:

– القرار عدد252 بتاريخ 10/01/2012، الذي جاء فيه: ” …وانه إذا تبث الملك للدولة فانه لا يجوز تملكه بالحيازة مهما طال امدها”.” (14)

  – القرار عدد218/8بتاريخ 19/04/2016، الذي جاء فيه: ” وانه إذا ثبت الملك للدولة فان حيازته من الغير لا أثر لها لان الدولة لا يحاز عليها وهو ما لم تراعه المحكمة المصدرة للقرار المطعون فيه، فجاء بذلك قرارها ناقص التعليل، مما عرضه للنقض والابطال” (15)

الفرع الرابع :عدم الاعتداد بالحيازة اذا كان اصل مدخل الحائز غير ناقل للملكية:

من المعلوم فقها وقضاء ان من عرف وجه مدخله بغير ناقل شرعي للملكية، فحيازته لا تنفعه ولو طالت، وحسبنا في هذا المقام الاستشهاد بالقرارات التالية:

– قرار محكمة النقض عدد 1087 بتاريخ 21 مارس 2001 في الملف عدد 2565/1/1/2000 المنشور بكتاب قضاء المجلس الأعلى في التحفيظ العقاري من سنة 1991 إلى سنة 2002 للأستاذ عبد العزيز توفيق، ص 136 إلى 138.

– قرار محكمة النقض عدد 1912 بتاريخ 09 ماي 2000 في الملف المدني عدد 1201/1/1/1999 المنشور بكتاب قضاء المجلس الأعلى في التحفيظ العقاري من سنة 1991 إلى سنة 2002 للأستاذ عبد العزيز توفيق، ص 62 إلى 65.

وهذا الأمر الذي أكدته القرارات المتحدث عنها أعلاه، والصادرة قبل دخول مدونة الحقوق العينية حيز التطبيق، هو ما تزكى من خلال المادة246 من هذه المدونة التينصت على أنه:” “لا تقوم الحيازة ولا يكون لها أثر إذا ثبت أن أصل مدخل الحائز غير ناقل للملكية، ولا يحق لواضع اليد أن يغير بنفسه لنفسه سبب وضع اليد على الملك محل ادعاء الحيازة ولا الأصل الذي تقوم عليه.”

        ومن امثلة ذلك، قيام شخص بكراء عقار من آخر، وبعد وفاة المكري ظل المكتري يستغل العقار دون أداء اجرة لورثة المكري، فقيام هؤلاء بمطالبة المكتري بأجرة العقار منذ وفاة مورثهم لا يعطي الحق للمكتري بالقول ان وضع يده على العقار كان بالحيازة والتملك لان وجه مدخله للعقار معروف وهو الكراء.

 

 

الهوامش:

 

  • يراجع مقال ” مدى تأثير الترسانة الفقهية في المغرب على صياغة بعض نصوص القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، ودور ذلك في تحقيق الامن القانوني والقضائي (المادة3 من المدونة نموذجا)، الحسن أولياس، منشور بالموقع الالكتروني com
  • مقال تحت عنوان” تفاصيل قانونية حول الحيازة الاستحقاقية بالقانون المغربي” منشور بالموقع الالكترونيttp://www.mohamah.net
  • تنص المادة 3 من مدونة الحقوق العينية على ما يلي:

” يترتب على الحيازة المستوفية للشروط القانونية، اكتساب الحائز ملكية العقار الغير المحفظ، او أي حق عيني اخر يرد عليه الى ان يثبت العكس.

لا تفيد عقود التفويت ملكية العقارات الغير المحفظة الا إذا استندت على أصل التملك، وحاز المفوت له العقار حيازة متوفرة على الشروط القانونية……”

 

  • المقال السابق ” مدى تأثير الترسانة الفقهية في المغرب على صياغة بعض نصوص القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، ودور ذلك في تحقيق الامن القانوني والقضائي (المادة3 من المدونة نموذجا)،”
  • تنص المادة13 من القانون 07/14 المغير والمتمم لظهير 12 غشت 1913 بشان التحفيظ العقاري، على ما يلي:

يقدم طالب التحفيظ للمحافظ على الأملاك العقارية، مقابل وصل يسلم له فورا، مطلبا موقعا من طرفه أو ممن ينوب عنه بوكالة صحيحة، يتضمن لزوما ما يلي:

سمه الشخصي والعائلي وصفته ومحل سكناه وحالته المدنية وجنسيته وإن اقتضى الحال اسم الزوج والنظام المالي للزواج أو كل اتفاق تم طبقا لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة، ويتضمن في حالة الشياع نفس البيانات المذكورة أعلاه بالنسبة لكل شريك مع التنصيص على نصيب كل واحد منهم، وإذا كان طالب التحفيظ شخصا اعتباريا فيجب بيان تسميته وشكله القانوني ومقره الاجتماعي واسم ممثله القانوني؛

-تعيين عنوان أو موطن مختار في الدائرة الترابية التابعة لنفوذ المحافظة العقارية الموجود بها الملك، إذا لم يكن لطالب التحفيظ محل إقامة في هذه الدائرة؛

– مراجع بطاقة التعريف الوطنية أو أي وثيقة أخرى تعرف بهويته، عند الاقتضاء؛

– وصف العقار المطلوب تحفيظه ببيان البناءات والأغراس الموجودة به ومشتملاته ونوعه وموقعه ومساحته وحدوده والأملاك المتصلة والمجاورة له وأسماء وعناوين أصحابها، وإن اقتضى الحال الاسم الذي يعرف به العقار؛

–  بيان أنه يحوز كل العقار أو جزءا منه مباشرة أو عن طريق الغير، وفيما إذا انتزعت منه الحيازة، يتعين بيان الظروف التي تم فيها ذلك؛

– تقدير القيمة التجارية للعقار وقت تقديم المطلب؛

–  بيان الحقوق العينية العقارية المترتبة على الملك مع التنصيص على أصحاب هذه الحقوق بذكر أسمائهم الشخصية والعائلية، وصفاتهم، وعناوينهم وحالتهم المدنية وجنسيتهم وإن اقتضى الحال اسم الزوج والنظام المالي للزواج أو كل اتفاق تم طبقا لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة؛

– بيان أصل التملك.”

  • الجنسية في القانون المغربي، دراسة في مكونات قانون الجنسية بقلم ذ/ احمد السكسيوي، مقال منشور بالموقع الالكتروني: http://ift.tt/1M5vVov
  • قانون منشور بالجريدة الرسمية عدد 5160 بتاريخ 18 رمضان 1424 الموافق ل: 13 نونبر2003، ص3817 وما بعدها.
  • ملكية الأجانب للعقارات في تونس” مقال بقلم الاستاذ جعفر الربعاوي مستشار بمحكمة التعقيب التونسية
  • قرار محكمة النقض عدد 751 بتاريخ 01/07/1981 في الملف المدني عدد 61700 ، منشور بالموقع الالكترونيhttps://www.mahkamaty.com/
  • قرار عدد 285 بتاريخ25/01/2006، في الملف عدد1799/1/1/2003، غير منشور.
  • القرار عدد 1860 بتاريخ 22/06/2005، في الملف عدد1067/1/1/2003
  • الشافي في شرح مدونة الحقوق العينية الجديدة وفق القانون 08/39، ذ/ عبد الكريم شهبون، الطبعة الثانية 2017، ص436 وما بعدها.
  • قرار صادر في الملف عدد944/1/1/2006، غير منشور.
  • قرار صادر في الملف المدني عدد 4949/1/1/2010، غير منشور.
  • قرار صادر في الملف المدني عدد6058/1/8/2015، غير منشور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق