التحصين التشريعي لقرار التحفيظ العقاري وموقف الفقه منه (الجزء الأول)

التحصين التشريعي لقرار التحفيظ العقاري وموقف الفقه منه

محمد براد

باحث في قضايا العقار

خريج ماستر الدراسات العقارية بكلية الحقوق بطنجة فوج 2015/2016

لتحميل الجزء الثاني: من هنا

  إذا كان العقار يشكل الأرضية الأساسية لانطلاق المشروعات الصناعية والتجارية والسياحية المنتجة وأداة لتحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي بالنظر إلى الدور الفعال الذي يقوم به على المستوى الاقتـــــصادي و الاجتماعي في سبيل تحقيق التنمية المنشودة، فإن ذلك يقتضي وجود إطار قانوني يوفر للملكية العقارية أرضية صلبة تمكن الجميع من التعامل به وفيه بكل ثقة واطمئنان. فكان نظام التحفيظ العقاري المنظم بمقتضى ظهير9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)،هو الإطار القانوني الأنسب لتحقيق هذه الغايات الاقتصادية و الاجتــماعية، والذي يعتمد على نظام الشهر العيني الذي يهدف إلى إعطاء كل عقار رسما خاصا به، ويقوم على مبادئ التطهير والتصفية والإشهار والحجية والقوة الثبوتية لما ضمن بالرسوم العقارية،غير أن هذه المبادئ الأساسية لقرار التحفيظ العقاري المتمثلة في مبدأ النهائية وعدم القابلية للطعن ونقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيظه،أثارت وما زالت تثير العديد من الإشكالات خاصة و أنها لا يمكن الطعن فيها أمام القضاء، مما يتعارض مع المعمول به في المجال الإداري انطلاقا من المادة 118 من الدستور.

لذلك نطرح التساؤلات التالية :

ما ماهية المبادئ الأساسية لقرار التحفيظ ؟

وما مدى إمكانية الطعن فيه أمام القضاء؟

ما موقف الفقه من التحصين التشريعي لقرار التحفيظ ؟

وما هي الآثار المترتبة عن التحصين التشريعي لقرار التحفيظ ؟

وما ذا لو أخضعناه لرقابة شرعية القرارات الإدارية ؟

لمحاولة معالجة هذه التساؤلات و غيرها،سنتناولها من خلال المبحثين التاليين:

المبحث الأول: المبادئ الأساسية لقرار التحفيظ وإمكانية الطعن فيه

المبحث الثاني: آثار التحصين التشريعي لقرار التحفيظ.

المبحث الأول : المبادئ الأساسية  لقرار التحفيظ ومدى إمكانية الطعن فيه .

        لقد خص الفصل 62 من ظهير التحفيظ العقاري قرار التحفيظ العقاري بإقامة رسم عقاري للملكية، له صفة نهائية ولا يقبل الطعن و نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية و التكاليف العقارية الكائنة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق العينية غير المسجلة ( المطلب الأول)، وإذا كان قرار التحفيظ هو قرار محصن  ولا يقبل الطعن حسب الفصل 62 من ظ. ت.ع. المتمم والمعدل  بالقانون 14.07 فهل يمكن الحديث عن إمكانية الطعن في قرار التحفيظ باعتباره يأتي نتيجة لقرار إداري و مسطرة إدارية، استنادا إلى الفصل 118 من الدســـــــــتور، مع استعراض الآراء الفقهية من الحصانة المطلقة لقرار التحفيظ (المطلب الثاني).

المطلب الأول : قرار التحفيظ  في ظل القانون 14.07

       سنقوم خلال هذا المطلب ببيان مفهوم قرار التحفيظ و المبادئ التي يقوم عليها (الفقرة الأولى)، مع محاولة التمييز بينه وبين بعض المفاهيم المشابهة له ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : قرار التحفيظ : المفهوم والمبادئ.

    في هذه الفقرة سنقوم بإعطاء تعريف لغوي واصطلاحي لقرار التحفيظ ( أولا) وتبيان المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قرار التحفيظ العقاري( ثانيا).

أولا : التعريف اللغوي والاصطلاحي.

1ـ التعريف اللغوي.

      يتركب عنوان بحثنا الأساسي من كلمتين ” قرار” و”التحفيظ” وهو يدخل في إطار العناوين المركبة مما يتحتم علينا البحث في الاشتقاق اللغوي لهذين الكلمتين:

      قرار :  من الفعل الثلاني لمجرد ( ق ر ر) أي قرَ، يقر، قرارا، جمع قرارات. يقال قرَ على ، قرَ في ،قررتُ،قررت، يقر و يقر،قرارا فهو قار، و المفعول مقرور.

وقر الأمر: ثبت عليه،لا يقر له حال: متقلب الطبع، لا يقر له قرار:دائم الحركة. قر بالمكان: ثبت و سكن و اطمأن،أقام و لم يغادر[1].

          وجاء في القرآن الكريم “اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً” [2] ،

و قال عمرو بن عمير :

“لاَ خَيْرَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ×××××× مِنَ اللَّهِ فِي دَارِ القَرَارِ نَصِيبُ ”
و يستخدم لفظ  “قرار” في مجال الإدارة و المال و الأعمال…، كما أنه قد يصدر عن هيئة أوإدارة أو فرد مسؤول صاحب نفوذ،كما أنه قد يكون قرارا جماعيا .

و يعني “في مجال الإدارة :اختيار طريق للسلوك من بين عدة بدائل مع ملاحظة أن القرارات الهامة وليدة التقارير المدروسة “[3].

التحفيظ : من فعل حَفًظَ يُحَفَظ تَحفيظا ، أي حرسه، عني به، حماية، حراسة[4]،منعه من الضياع و التلف و صانه من الإبتدال[5].

2ـ التعريف الاصطلاحي لــ : قرار التحفيظ

       للبحث عن مدلول التحفيظ العقاري ينبغي الرجوع إلى مقتضيات ظ.ت.ع. ، وكذا المقتضيات المنظمة لتفاصيل تطبيق التحفيظ العقاري و خاصة ” النصوص المرتبطة به كنصوص أصلية أساسية تنظم التحفيظ العقاري”[6].

      يرتبط  مفهوم “قرار التحفيظ ” في المغرب بنظام التحفيظ العقاري المنظم بمقتضى ظهير 9 رمضان1331 (12 غشت 1913)[7] الذي يحيل على فترة مهمة من تاريخ المغرب وهي فترة الحماية الفرنسية على المغرب الممتدة من سنة 1913 إلى سنة 1956،و الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأن مصطلح التحفيظ له مرجعية تاريخية تشريعية متميزة.

      “إن كلمة التحفيظ هي مصطلح قانوني ابتدعه المشرعون اقتباسا من عقد طورانس الأسترالي، فهو مصطلح بخصوص النظام العقاري المغربي يعني مجموعة من المساطر التي تبتدئ من تاريخ وضع مطلب التحفــــــــيظ و تنتهي بصدور قرار التحفيظ من طرف المحافظ العقاري ويليه زمنيا مصطلح آخر هو العقار المحفظ”[8]

     و بالرجوع إلى الفصل الأول من ظهير التحفيظ نجده أنه لم يعرف التحفيظ و إنما جاء ينص على قواعــــد و مبادئ التحفيظ العقاري أكثر منه إعطاء تعريف ومفهوم دقيق لمصطلح التحفيظ العقاري،بل أنه جاء عـــــاما و مجــــردا، و معلوم أن الأصوليين يعرفون العام ” اللفظ الذي يستغرق الصالح له من غير حصر”[9] أي يشمل كل ما جاء في الظهير من قواعد ومبادئ و إجراءات [10]

     فنظام التحفيظ العقاري هو مجموعة من القواعد القانونية و العمليات المتتابعة و المؤسسات المتكاملة البناء بدء بوضع طلب التحفيظ و إيداعه و مرورا بعمليات الإشهار والتحديد وتوسطا بإقامة رسم الملكية، وانتهاء بمختلف التقييدات بالسجلات العقارية، ويطبق على مرحلتين إحداهما سابقة للتحفيظ وثانيهما لاحقة له، وتشكل مبادئه وحدة متراصة متماسكة[11]

     إنه نظام إشهاري عقاري عيني يتجلى في تسجيل كل عقار على حدة من طرف المحافظ على الأملاك العـــقارية والرهون في سجلات خاصة تدعى السجلات العقارية تحت اسم و رقم ترتيبي خاصين[12] ،بطلب اختياري إلا في حالات خاصة[13] بعد اتباع مسطرة دقيقة وطويلة، وبعد اجتياز مسطرة التطهير قد تتوج بتأسيس رسم عقاري وهو ما يطلق عليه”قرار التحفيظ “،ويتطلب تطبيق هذا النظام بالضرورة تدخل الدولة عبر أجهزة ذات اختصاص قانوني وأخرى ذات اختصاص هندسي، و من جهازان مختلفان من حيث الطبيعة، الاول  قضائي[14] و إداري[15] و الثاني ذا طبيعة تقنية وهندسية طبوغرافية[16]،الشيء الذي يعني وجود ما يسمى “بازدواجية الاختصاص في تطبيق مسطرة التحفيظ العقاري”،ويرى بعض الفقه أن مسطرة التحفيظ وفق النظام المعمول به في المغرب تبتدئ إداريا و تنتهي إداريا حتى وإن تتخللها مرحلة قضائية وجود  تعرضات قانونية، يقتصر دور قضاء التحفيظ العقاري على البث في التعرضات، ثم يحيل الملف برمته على المحافظ العقاري الذي يملك صلاحية اتخاذ قرار بتحفيظ العقار في اسم طالب التحفيظ أو اتخاذ قرار برفض التحفيظ كليا أو جزئيا تحت مسؤوليته.[17]

        و قد كانت مهمة الإشراف على تطبيق نظام التحفيظ العقاري موكولة في الأصل إلى وزارة الفلاحة باعتبارها الوصية على القطاع [18] إلا أنه مع إحداث الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية و المـــــــــــسح العقاري والخرائطية[19] سنة 2002 فقد أصبح هذا الجهاز هو المنوط به تطبيق كل المقتضيات المتعلقة بنظام التحفيظ العقاري من خلال المهام الرئيسية الموكولة لهذه الوكالة التي تتجلى في تدبير كل القضايا المتعلقة بمجال التحفيظ العقاري و المسح العقاري و الخرائطية  وتحقيق الملكية.

     ويعتبر تقديم مطلب التحفيظ بمثابة أول خطوة في نظام التحفيظ حيث بموجبه ينتقل العقار من عقار غير محفظ إلى عقار محفظ إن تم قبوله و تأسيس رسم عقاري له،أما بمجرد تقديم مطلب التحفيظ فيصبح للعقار المطلوب تحفيظه وضع قانوني جديد ومتميز،بحيث يصبح تابعا لنظام خاص أطلق عليه البعض اسم نظام “ما قبل التحفيظ” أو “في طور التحفيظ”[20]

     وإذا كان يقصد بالتحفيظ العقاري “مجموعة من القواعد التي تهدف إلى إخضاع العقار لتقنيات حديثة تمنحه هوية يعرف بها من حيث مساحته و حدوده ومشتملاته وارتباطه بشخص صاحبه، وبطريقة انتقاله والتصرفات التي تبرم عليه والحقوق التي له و عليه”[21]،أو هو”مجموعة من أعمال تقنية و هندسية معلنة للعموم، تضبط هوية العقار و تعطي للحقوق المقيدة برسمه القوة القانونية تجاه الكافة، بعد القيام بالإشهار لحالته المدنية بالجريدة الرسمية لتطهيره من كل ادعاء غير مسجل بالدفتر العقاري الخاص به”[22] إنه على هذا الأساس “مجموعة من الإجراءات التي يقام بها بالنسبة لملك غير محفظ”[23]،كما يقصد منه تقييد كل التصرفات والوقائع الرامية إلى تأسيس أو نقل أو تغيير أو إسقاط الحقوق العينية أو التحملات العقارية المتعلقة بالملك في الرسم العقاري المؤسس له،وقد تدخل المشرع المغربي في القانون 14.07 للحسم في المقصود بالتحفيظ في الفصل الأول ليقطع بذلك ذلك الجدل اللغوي و “الخلاف الفقهي و القضائي حول المصطلح بما يعنيه ذلك من إحداث القطيعة مع التعاريف الفقهية و القضائية و حتى التشريعية التي كانت تقصر المصطلح على الوضعية السابقة على تحفيظ العقار دون سواها مما تعلق بالمرحلة اللاحقة لإشهار الحقوق العينية العقارية المترتبة على التحفيظ وما يستتبعها من تقييدات وتشطيبات” [24].

     فإنه يقصد بالرسم العقاري ذلك السند الذي يقيمه المحافظ للتعريف بالعقار الذي اتخذ في شأنه قرارا للتحفيظ باسم صاحبه ويتضمن لزوما بيانات وفق مقتضيات الفصل 52 من القانون رقم 14.07، “ذلك القرار الذي يضع حدا ونهاية لمسطرة التحفيظ المفتوحة منذ وضع مطلب التحفيظ “[25] ، “و يتضح أن المقصود بقرار التحفيظ القرار الذي ينتهي إليه المحافظ بتأسيس الرسم العقاري موضوع مطلب التحفيظ بعد اجتياز هذا الأخير لجميع مراحل مسطرة التحفيظ بنجاح دون وجود عائق.فهو إذن قرار تحويل مطلب التحويل إلى رسم عقاري متمتع بالحجية القانونية و التطهير اللازم من جميع الحقوق غير الظاهرة وقت التحفيظ[26] ،وهو قرار من اختصاص المحافظ فقط ” الذي له وحده أن يتخذ هذا القرار”[27] إذ لا يحل المحافظ العام محل المحافظ في حالة التظلم الرئاسي، و لا القاضي محل المحافظ في حالة ممارسة الطعن المنصوص عليه في الفصل 96 من ظ.ت.ع [28] حتى لو أصبح حكمه أو قراره نهائيا و مبرما [29]

ثانيا : المبادئ الأساسية لقرار التحفيظ العقاري.

     يعتبر نظام التحفيظ إطارا قانونيا لضبط الحقوق الواقعة على الملكية العقارية، إذ من خلال تقييدها بالسجلات العقارية تكون مرجعا لكل من يريد الاطلاع على وضعية العقار، ومن ثم فهو يعطي للحق صورة حقيقية وفقا للوضعية التي يوجد عليها انطلاقا من المبادئ و الأسس التي يقوم عليها.

     إن أهم نتيجة تترتب عن اتخاذ قرار التحفيظ هي تأسيس رسم عقاري نهائي غير قابل للطعن و مطهر من جميع الحقوق غير المسجلة،و قد حددت المادة 62 من قانون التحفيظ العقاري هذه المبادئ  ” إن الرسم العقاري نهائي ولا يقبل الطعن، ويعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات المترتبة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداه من الحقوق غير المقيدة “[30]

1 ـ مـــبـــــدأ النـــــــهائـــــــية :

      يفيد معنى النهائية في الرسم العقاري أنه لا يمكن المجادلة أو التشكيك في مشروعيته أو سلامته.وهو قرار نافذ في حد ذاته و لا يحتاج إلى إجراءات التنفيذ، و مؤثر في المراكز القانونية للمعنيين به،و تعني أنه لا يمكن بتاتا إحياء مطلب التحفيظ من جديد من طرف نفس طالب التحفيظ و بالاستناد إلى نفس الحجج[31] وهو بذلك يضع حدا و نهاية لمسطرة التحفيظ المفتوحة منذ وضع المطلب،و لا يمكن معه إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أي أنه إذا اتخذ قرار التحفيظ سيدخل العقار في نطاق العقار المحفظ و لا يمكن إرجاعه إلى نطاق العقار غير المحفظ[32]، “إن تحفيظ الملك من طرف المحافظ مانع من رجوع الوضع إلى ما قبل قرار التحفيظ”[33]، وتكون الصفة النهائية للرسم العقاري(…..) متعلقة بكل البيانات المدونة به في هذا المستوى،و لها نفس الآثار في مواجهة الجميع أطرافا كانوا أو خلفا أو غيرا، و سواء كان هؤلاء حسني النية أو سيئي النية[34] إنه يقطع أي صلة لهم بالعقار[35]، كما تتعلق صفة النهائية “بالأشخاص المقيدين كمالكين لهذه الحقوق في ذات الرسم”.[36]، كما تشمل الصفة النهائية”سائر الحقوق العينية التي تم تثبيتها في الرسم العقاري،فإذا صدر قرار التحفيظ العقاري متضمنا بحق السطحية أو حق مرور، فإن هذه الحقوق تعتبر نهائية و لا تقبل الطعن لأي سبب سابق على التحفيظ شأنها في ذلك شأن حق الملكية.كما لو تجاوز طالب التحفيظ في تعيين حدود عقاره على حدود الأرض المجـــــــاورة له، وصدر قرار التحفيظ العقاري متضمنا هذا التجاوز”[37].

2 ـ عــــدم القابلية للطعــــن:

     يعتبر القرار الإداري القاضي بتحفيظ العقار الدليل الوحيد القاطع على حق الملكية والحقوق العيــــــــــــنية والتحملات العقارية المنصوص عليها، وهو قرار” لا يمكن إطلاقا إلغاءه أو تغييره أو سحبه و لو عن طريق قرارات قضائية نهائية ومخالفة”[38] ولا يمكن أن يكون محل أي تعديل أو مراجعة  من طرف المحافظ نفسه ولا حتى من أعلى سلطة عامة مهما تعددت الأسباب واختلفت الظروف، و يحظى القرار بحصانة مطلقة ضد أي طعن إداري أو قضائي، إلا في حالات استثنائية جد ضيقة،ويترتب عن ذلك أن المحكمة ليس بإمكانها إلغاء قرار التحفيظ القاضي بتأسيس الرسم العقاري،ومعنى ذلك أن القضاء لا يملك أي سلطة لمحو قرار التحفيظ، حتى وإن ساوره يقين أن قرار المحافظ يجانب الصواب،وإنما فقط بإمكانه الحكم بتعويض لفائدة المتضرر من تأسيس الرسم العقاري، حتى قيل عن المحافظ بأنه السلطة الثانية التي تتمتع باختصاصات مطلقة بعد جلالة الملك في حالة الاستثناء و الظروف الطارئة، حيث يتخذ قرارات في آخر المطاف دون تعليل قراره، و هو الأمر الذي لا تستطيع القيام به  حتى  محكمة  النقض نفسها.

     و قد تساءل هنا أحد الفقهاء[39]، إذا كان من الضروري جعل الرسم العقاري المؤسس إثر التحفيظ العقاري نهائيا و غير قابل للطعن، فهل يكون ضروريا جعل قرار التحفيظ غير معلل و نهائيا و غير قابل للطعن على الفور؟

3ـ غـــيــر مــعـــلــــل :

     يصدر المحافظ قرار التحفيظ بدون تعليل، ومعناه”أن المحافظ ليس ملزما بالإشارة في الرسم العقاري إلى جميع الإجراءات التي اتبعت لتأسيس هذا الرسم”[40]، حيث يتم استنتاج من صلب القرار بأن جميع الإجراءات القانونية قد احترمت،كما أنه لا يشير إلى المستندات التي تثبت الملكية أو الحيازة بتاتا في النص المؤسس للرسم العقاري إثر التحفيظ، حيث ينص فقط على أن الملك قد حفظ في اسم (س) بمقتضى مطلب التحفيظ وضع تحت عدد (ن) بعد اجتياز مراحل المسطرة[41] و قد ذهب بعض الفقه إلى القول بأنه ” تلغى كل الرسوم المعتمد عليها في طلب التحفيظ و لا يشار إليها بتاتا في النص المؤسس للرسم العقاري “[42] ، و أكد ذلك الأستاذ أحمد أجعون بقوله ” تصبح جميع الرسوم و العقود المدعمة لمطلب التحفيظ دون جدوى و يلحقها الإلغاء”[43].

     و يعتبر التعليل شرط شكلي في القرار الإداري  يقصد به بيان أسباب القرار[44] ويترتب عن عدم الإفصاح عنه كتابة في صلبه،اعتبار ذلك القرار غير مشروع بصريح المادة الأولى من القانون رقم 01ـ03 بشأن إلزام الإدارات العمومية و الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية بتعليل قراراتها،فالتعليل يشكل ضمانا للأمن القانوني للفرد تجاه السلطة الإدارية و يمنح الفرد قناعة بأن الإدارة تتصرف في إطار الشرعية و يحد من السلطة العامة للإدارة و يجنبها قرارات تعسفية و تحكمية،و بهذا يكون قد تم الارتقاء بإلزامية التعليل للقرارات الإدارية إلى مستوى القانون .

4 ـ نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات العقارية:

     ينتج عن كون قرار التحفيظ يتصف بالنهائية وعدم قابليته للطعن”… تأسيس رسم عقاري وبطلان ما عداه من الرسوم، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به “،والتي لم تظهر خلال جريان مسطرة التحفيظ، ويعترف  بالوجود القانوني للحقوق المنصوص عليها فيه وقت تأسيسه، ومعنى هذا أن قرار المحافظ يعتبر نقطة البدء الوحيدة لجميع الحقوق والتكاليف المنصوص عليها في الرسم العقاري،”ذلك أن التحفيظ يقطع أي صلة للعقار بماضيه، و يصبح سند تملك الشخص المقيد كمالك بالرسم العقاري هو عملية التحفيظ ذاتها”[45] والوسيلة الوحيدة التي تضمن تطهير العقار من جميع الحقوق غير الظاهرة وقت التحفيظ ولو كانت فعلية ومشروعة، ويعترف بالوجود القانوني للحقوق الظاهرة وقت التحفيظ فقط، ويضفي عليها الصبغة القانونية ولو كانت غير مشروعة أساسا،و هذا ما جعل بعض الباحثين يعتبرون الرسم العقاري بمثابة ” عقد ازدياد العقار في الحياة القانونية”[46] في اعتبر آخرون أن الرسم العقاري يمنح العقار الذي تم تحفيظه “شبابا قانونيا”[47]. وأضاف آخر[48] “بأن الرسم العقاري يؤدي لقطع الصلة نهائيا بالماضي و طمس المعالم السابقة، بحيث يعتبر الرسم العقاري المنطلق الوحيد لتحديد هوية العقار ووضعيته المادية والقانوني دون اكتراث بالحقوق غير المســــجلة ولو كانت قائمة مشروعة، وعلق أحد الباحثين بأنه “يخفي أخطاء كل شخص بمن فيهم المحافظ العقاري كما تخفي الأرض أخطاء الإنسان”[49].

     بالإضافة إلى هذه الخصائص،” يتمتع المحافظ بصلاحية واسعة تكاد تكون مطلقة لاتخاذ قرار التحفيظ فإليه ترجع الكلمة الأخيرة لاتخاذ قرار التحفيظ أو عدم قبول التحفيظ “[50]. مع ضرورة مراعاة الشروط والحالات التي يسمح فيها المشرع فيها للمحافظ باتخاذ مثل هذا القرار[51] التي يتطلبها القانون و المنطق، فسلطة المحافظ لاتخاذ قرار التحفيظ وإن كانت تبدو شبه مطلقة فإنها مع ذلك تبقى خاضعة لمقتضيات القانون ومتقيدة  به.

     إن هذه الخصائص و المبادئ “التي تميز قرار التحفيظ دفعت البعض إلى تشبيه سلطات المحافظ في هذا الإطار بسلطات جلالة الملك، و شبهها آخر بقرارات المجلس الأعلى،و شبهها آخر بأنها بمثابة قانون فردي صادر عن سلطة إدارية. في حين أن المحافظ يبقى مجرد موظف عمومي لا يتمتع بأي استثناءات عن غيره من الموظفــين و قراراته تبقى خاضعة لمبدأ المشروعية و أن استثناء المشرع لقرار التحفيظ من أي وجه من وجوه الطعن بنص خاص…. فتلك هي الإرادة الصريحة و الآمرة للمشرع”[52].

     وفي ختام هذه الفقرة ألا يحق أن نتقاسم التساؤل مع الاستاذ محمد ابن الحاج السلمي ” لكن إذا كان هذا القرار غير معلل و غير قابل للطعن، فكيف نستطيع أن نتأكد من قانونيته و مشروعيته أو عدمها ؟”[53]

الفقرة الثانية: تمييز قرار التحفيظ العقاري عن بعض المفاهيم المشابهة له

     ينفرد المغرب بتعبير التحفيظ العقاري في حين أن أغلب الدول العربية تستعمل تعبير التسجيل العقاري،وليس هناك من الدول العربية من يستعمل لفظ الشهر العقاري باستثناء جمهورية مصر العربية [54] ويعتبر مصطلح التحفيظ  العقاري من بين ما يتميز به التشريع المغربي حيث أن الدول العربية الأخرى لا تستعمل هذا المصطلح، فعلى سبيل المثال لا الحصر قد تبنى المشروع العربي مصطلح التسجيل العقاري و الذي عرض على مجلس وزراء العدل العرب في دورته السابعة[55]، و لا نجد من بين الدول و خاصة العربية من تستعمله،ذلك أنها تستعمل عبارة الشهر أو الإشهار العقاري أو التسجيل العقاري للدلالة على النظام بكامله،و بمرحلتيه السابقـــــــة و اللاحقة عن تأسيس رسم الملكية أو الرسم العقاري، وتطلق على مسطرة التحفيظ مسطرة تحقيق الملكية في ليبيا أو مسطرة التحرير و التحديد في لبنان و سوريا و العراق،كما أن تونس تستعمل مصطلح  الترسيم  للدلالة على مصطلحي التحفيظ و التقييد في نفس الوقت [56] لكن المغرب وفي مختلف النصوص القانونية العقارية استعمل مصطلحات منها مصطلح التقييد ثم مصطلح التسجيل ، لكن و منذ بداية الخمسينات(1951) بدأ المغرب باستعمال مفهوم خاص، وهو التحفيظ العقاري[57].

أولا: تمييز قرار التحفيظ عن دعاوى التحفيظ العقاري

     إذا كان التحفيظ العقاري هو مجموعة من الإجراءات التي ترمي إلى جعل العقار خاضعا لظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري،من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد،فــــــإن دعاوى التحفيظ العقاري هي منازعات قضائية واردة على التحفيظ العقاري وتعتبر دعوى التعرض على المطلب في الدعوى العقارية أهم تطبيق لها،لخصوصياتها على الدعاوى الأخرى،نظرا لأن دعوى التعرض أثر مهم في تغيير المراكز القانونية و بالتالي كان لا بد من وقف تنفيذها إلى أن يصبح الحكم نهائيا باتا في القضية،لصعوبة إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه في حالة نقض الحكم  مثلا بشأن عقار محفظ،أما الدعاوى المتعلقة بالرسوم المتعلقة فلا يتمتع بهذه الخصوصية حيث يمكن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه فقط بتسجيل تقنية احتياطي قبل الطعن بالنقض.

     وتجدر الإشارة إلى أن  إجراءات الدعوى العقارية منظمة في قانون المسطرة المدنية كأصل، وفي قانون التحفيظ العقاري 14.07 كاستثناء.

ثانيا: تمييز قرار التحفيظ عن التسجيل العقاري أو الشهر العقاري

     جاء في المادة 65 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري ما يلي:

يجب أن تشهر بواسطة التسجيل في السجل العقاري؛

جميع الأعمال والاتفاقات الناشئة بين الأحياء مجانية كانت أو بعوض،

وجميع المحاضر المتعلقة بالحجز العقاري،وجميع الأحكام التي تكتسب قوة الشيء المقضي به ،متى كان موضوع جميع ما ذكر تأسيس حق عقاري أو نقله إلى الغير أو إقراره أو تغييره أو إسقاطه، وكذا جميع عقود أكرية العقارات التي تفوق مدتها ثلاث سنوات، وكل إبراء أو  حوالة  لقدر مالي يوازي كراء بناء أو أرض لمدة تزيد على السنة غير مستحقة الأداء.

     كل حق من هذه الحقوق،تعلق بعقار محفظ،يعتبر كأن لم يكن أو غير موجود أصلا بالنسبة للغير إلا إذا تم تسجيله، وابتداء من يوم التسجيل في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية، طبقا لمقتضيات المادة 66 من ظهير التحفيظ العقاري

     و المقصود بالحقوق: الحقوق التي تنشأ بعد وجود الرسم العقاري، أي التقييدات التي يمكن القيام بها على رسم عقاري خلال الوجود القانوني للعقار المحفظ[58].

     إذا كان التحفيظ العقاري هو مجموع الإجراءات الهادفة الى إقامة رسم عقاري للملك بشكل نهائي لا رجعة فيه، فإن التسجيل العقاري هو مجموع العمليات التي يتم اللجوء إليها من أجل تسجيل الحق بالرسم العقاري بالرغم من نسبية الآثار المترتبة عن ذلك،مقابل ثمن محدد

     فالتسجيل العقاري إذن هو حجة رسمية فيما بين الأطراف أو في مواجهة الغير، على وجود الحق وثباته سواء كان هذا الحق حقا عينيا أو حتى حقا شخصيا، إلا أن هذه الحجية ليست قاطعة بل إن قوتها الإثباتية ترتبط ارتباطا وثيقا بمدى صحة من عدم صحة التصرف المثبت للحق وحسن أوسوء نية الأطراف،”فإن كان سندها مشوبا يمكن إبطالها طبقا لمقتضيات الفصل 91 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري”[59].

وورد في المادة 82 من نفس الظهير ما يلي:
إذا رغب الورثة في الحصول على تسجيل في اسمهم للحقوق العينية العقارية المنجزة لهم بالإرث ، فعليهم أن يدلوا زيادة على شهادة الوفاة بما يثبت حالتهم المدنية واستحقاقهم للإرث وحظوظهم فيه…
وإن كان انتقال الحق ناتجا عن وصية، فإن طالب التسجيل الموصى له، يُدلي بصك أو بنسخة منه، وعند الاقتضاء يُدلي بموافقة الورثة، أو المُوصى لهم العامين، أو بقرار السلطة القضائية التي لها الصلاحية في الإذن بوضع الــيد

على التركة.

         من خلال قراءة متأنية لهذه المقتضيات يتضح بأن الحقوق الخاضعة للتسجيل العقاري يمكن تصنيفها كالتالي:حقوق عينية عقارية ( تسجيل الأعمال المادية،تسجيل العقود و الاتفاقات،تسجيل الأحكام،تسجيل محاضر الحجز العقاري، تسجيل محاضر البيع العلني و إرساء المزايدة، تسجيل التركات و الوصايا،تسجيل القرارات  الإدارية مثل نزع الملكية ،……) مع بعض الحقوق الشخصية (عقود أكرية العقارات التي تفوق مدتها ثلاث سنوات، وكل إبراء أو حوالة  لقدر مالي يوازي كراء بناء أو أرض لمدة تزيد على السنة غير مستـــــحقة الأداء ) و بعض الحقوق العرفية ( حق الجزاء،حق الجلسة،حق الزينة..) و بعض التسجيلات المتعلقة بالضمانات العينية العقارية( حقوق الامتياز، و الرهون الرسمي  الرضائية منها و الجبرية…)، و كل تسجيل لإحدى هذه الحقوق يتطلب سندا للتسجيل و يقصد به ” عقد التصرف الذي ينبغي تسجيله و الذي يختلف حسب نوع التصرف الذي أجراه المسجل في الرسم العقاري على حقوقه العقارية المسجلة مثل البيع الكلي أو الجزئي أو القسمة أو الإراثــة  وغيرها”[60]

     خلاصة ،فرغم تمييز المشرع بين التحفيظ والتسجيل سواء بالنسبة للمسطرة أو الآثــــــــــار، فإنــــــــه أعطى للأولى حجية مطـــلقة سواء بين الأطراف أو اتجاه الغير و منح الثانية الحجية النسبية للغير حسن النية فقط.

ثالثا: تمييز قرار التحفيظ عن التقييد العقاري

     يعتبر التقييد العقاري جزء لا يتجزأ من نظام التحفيظ العقاري، خاصة بعد الحسم التشريعي في مدلول التحفيظ العقاري،الذي قطع دابر الخلافات اللغوية و الفقهية و القضائية، بعدما حدد الفصل الأول من قانون 14.07 أن نطاق مفهوم التحفيظ العقاري يشمل عمليتين هما:

الأولى : تحفيظ العقار بعد إجراء مسطرة للتطهير يترتب عنها تأسيس رسم عقاري و بطلان ما عداه من الرسوم،و تطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به،

و الثانية : تقييد كل التصرفات و الوقائع الرامية إلى تأسيس أو نقل أو تغيير أو إقرار أو إسقاط الحقوق العينية أو التحملات العقارية المتعلقة بالملك، في الرسم العقاري المؤسس له.

     يتبين إذن مما سبق أن “للتقييد دور مكمل في نظام التحفيظ،إذ يقوم بإشهار الحقوق المكتسبة على العقارات المحفظة”[61]، حيث أنه عند إقامة الرسم العقاري الخاص لملك عقاري معين يجب أن يحرر ويضمن بالرسوم العقارية المحفوظة أصولها لدى مصالح المحافظة على الأملاك العقارية التي حددت شكل و مضمون تلك الرسوم و خاناتها وأعمدتها، من أجل أن تدون بها كل البيانات و المعلومات الضرورية عند إجراء أي تصرف أو تعامل.[62]

     التقييد هو عملية تتم من خلالها ذكر بيانات معينة من طرف المحافظ على الأملاك العقارية أوردها القانون العقاري اعتمادا على العقود و المستندات التي يحتفظ بها  في ملف العقار، فيكون الحق ثابتا اعتمادا على ما هو مقيد في الرسم العقاري من بيانات دون غيره من الوثائق[63]

     كما ينعت التحفيظ بأنه “سوى التقييد الأساسي الأول لحق الملكية على العقار والذي يفتح لفائدته حسابا خاصا بالسجلات العقارية يترجم إلى رسم عقاري للملكية “[64]

     كما أن المشرع استعمل في ظهير 12 غشت 1913 المغير و المتمم بمقتضى القانون رقم 14.07 الصادر بتاريخ 22 نونبر 2011 مصطلح التسجيل و أحيانا مصطلح التقييد و هما معا يهدفان إلى نفس الغاية أي تقييد التصرفات بالسجل العقاري، فمصطلح التسجيل باللغة الفرنسية Enregistrement  ” يفيد أداء الواجبات المستحقة للخزينة بمناسبة إبرام التصرفات الناقلة للملكية و هي رسوم تستحق عن التفويتات العقارية العوضية في حين أن مصطلح التقييد Inscription  يفيد تقييد التصرفات الناقلة للملكية بالرسوم العقارية[65]

     و إذا كان  قرار التحفيظ العقاري بهذه المواصفات التي ذكرناها في هذا المطلب، ليس معللا و لـــــيس قابلا لأي طعن ، و يكتسي نهائية قطعية لا يمكن إطلاقا إلغاؤه أو تغييره أو سحبه،فهل معنى هذا أنه لا يكمن الحديث عن أيـــة إمكانية للطعن فيه  أمام القضاء؟ ذلك ما سنتطرق إليه في المطلب الثاني من هذا المبحث .

المطلب الثاني  :  مدى إمكانية الطعن في قرار التحفيظ 

     تعرضت الصفة النهائية و القطعية لقرار المحافظ بمناسبة تأسيس الرسم العقاري لانتقادات فقهية حـــــــــادة و لاذعة في حالة ثبوت تدليس أو زورية أثناء عملية التحفيظ، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى المطالبة بضرورة وضع استثناءات لمبدأ نهائية الرسم العقاري حتى لا يستفيد مستعمل التزوير أو التدليس من هذا المبدأ، و إلا اعتبر ذلك بمثابة نزع الملكية و اعتداء على حقوق الغير، و فيه مساس بحق الملكية و خروج عن مبدأ العدالة و الإنصاف، و من جهة أخرى فإن هذه المبدأ يتنافى مع المبدأ المقرر في الدستور و الذي يقضي بأن حق الملكية مضمون[66] و ذلك طبقا للفقرتين الأولى و الثانية من الفصل 35 منه “يضمن القانون حق الملكية”.كما يتنافى مبدأ النهائية مع العديد من الاتفاقيات الدولية التي أولت حق التملك حماية خاصة،ففي الفصل 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة بتــــــاريخ 10 دجنبر1948، و الذي ينص على أن لكل فرد من أفراد المجتمع حق في التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره ة لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا[67]

     و إذا كانت القرارات الإدارية هي قرارات قابلة للطعن، وما دام أنه لا يجوز دستوريا تحصين أي عمل إداري من رقابة شرعية القرارات الإدارية طبقا للفصل 118 من الدستور الذي نص صراحة على حق التقاضي مضمون و عدم تحصين القرارات الإدارية.

فإن قرار التحفيظ هو قرار إداري يتمتع بحصانة تشريعية حسب المادة 62 من قانون 14.07.فهل يقبل قرار التحفيظ الطعن ؟

وما هي الآثار المترتبة على هذا القرار لو أخضعناه للفصل 118 من الدستور؟.

وما موقعه منه؟ و ما مكانة قرار التحفيظ ضمن القرارات الإدارية؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات، لا بد من التطرق لأهمية الفصل 118 ( الفقرة الأولى) و نتائج خضوع قرار التحفيظ لهذا الفصل ( الفقرة الثانية )

الفقرة  الأولى : أهمية الفصل 118 من الدستور

      نص دستور 2011 على العديد من الحقوق المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و القضائية وعزز من الضمانات الدستورية للأفراد و الجماعات، و من هذه الضمانات دسترة حق التقاضي ورقابة شرعية القرارات الإدارية المنصوص عليها في الفصل 118 منه :

1 ـ حق التقاضي:

 قبل الخوض في مدلول ” حق التقاضي”   سنعرج قبلا على المفهوم اللغوي و الاصطلاحي لحق التقاضي.

         لغة : الحق كما عرفه ابن منظور في مؤلفه لسان العرب هو نقيض الباطل، و يقال حاقه  في الأمر أي ادعى أنه أولى بالحق منه.أما التقاضي فأصله مشتق من قضى أي قطع و فصل و القضاء هو القـــــــــــــــــطع و الفـــــــصل و الحكم في الأمر، و يقال: اقتضيت مالي أي قبضته و أخذته.

       أما اصطلاحا فحق التقاضي، هو حق الشخص أو المجموعة أو الدولة في اللجوء إلى القضاء أي المحاكم المختصة  المنتصبة في الدولة أو خارجها للفصل في القضايا التي يمكن أن تنشأ بين المواطنين،على اعتبار أن اللجوء إلى القضاء يعطي أحسن الحلول و أنصفها نظرا لتوفره على مجموعة من الخصائص نذكر منها:الاستقلالية،الاختصاص ،و الارتكاز على مبادئ الشرعية.

     إن مراجعة مقتضيات الدستور المغربي لسنة 1996 الذي نسخ بموجب المادة 180 من دســـــــتور2011، “لا نجدها من بين الضمانات المنصوص عليها في بابه الأول أي أثر لدسترة مبدأ مراقبة الشرعية أو حق التقاضي أو منع تحصين القرارات الإدارية في القوانين حماية للشرعية”[68]،و إذا رجعنا إلى بعض الدساتير العربية المقارنة، نجدها على خلاف ذلك، حرصت في مقتضياتها على التنصيص على  دسترة  عدد من المبادئ:  حق التقاضي، عدم تحصين القرارات الإدارية، مبدأ الرقابة الشرعية.

     و نذكر على سبيل المثال الدستور الأردني الذي ينص في المادة 102 ” تمارس المحاكم النظامية في المملكة الأردنية الهاشمية حق التقاضي على جميع الأشخاص في جميع المواد المدنية و الجزائية بما فيها الدعوى التي تقيمها الحكومة أو تقام عليها، باستثناء المواد التي قد يفوض فيها حق التقاضي إلى محاكم ديـــــــــــنية أو خاصة بموجب أحكام هذا الدستور أو أي تشريع أخر نافذ المفعول”

     و أيضا الدستور المصري الذي نص في المادة 69 بأن ” التـــــــقاضي حق مضمون و مكفول لجميع الناس و كافة و لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، و تكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقــــــاضين و سرعة الفصل في القضايا، و يحضر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء”

     كما قرر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثامنة التي نصت ” على أن لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إيــــاه الدستــــور أو القانون”[69]

     إضافة إلى تعهد المملكة المغربية بالتزام ما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ و حقوق وواجبات و حقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا[70]،كما أن الدستور المغربي نص على أن الاتفاقات الدولية التي صادق عليها المغرب، و في نطاق الدستور، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية[71]، وكل ذلك في إطار نسق دستوري جوهره فصل  السلط  و استقلالها.[72]

     من أجل ذلك، كانت من الضروري أن تحدو المملكة المغربية حدو الدول العربية، ووفاء لالتزاماتها الدولية، وتحت الحاجة الملحة إلى ضرورة تعزيز الضمانات الدستورية للمواطنين من خلال دسترة بعض المبادئ من قبل ضمان حق التقاضي و مقاضاة الإدارة و حماية رقابة الشرعية و منع تحصين أي قرار أداري من الرقابة القضائية.

     وبالفعل فقد تحقق ذلك في ظل الدستور المغربي الجديد الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 29 يوليوز2011 ،ومن بين أهم الضمانات التي جاء بها، دسترة حق التقاضي حيث نص الفصل 118 من الدستور بأن ” حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه و عن مصالحه التي يحميها القانون. كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن القطع فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة”

و تجدر الإشارة أنه لأول مرة يتحدث الدستور المغربي عن موضوع في غاية الأهمية، و هو حق التقاضي.

و بمقتضى هذا النص الدستوري يتقرر:

ــ أنه لا يمكن لأي قرار إداري، و كيفما كانت الجهة المصدرة له الإفلات من رقابة الشرعية أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة و لو كانت محصنا بمقتضى القانون، كما لن يكون بمقدور أي سلطة إدارية الاحتجاج التحصين التشريعي لقراراتها من أجل الدفع بعدم قبول دعوى الإلغاء، و هذا ما ينطبق على قرار التحفيظ الصادر عن المحافظ العقاري المحصن بالمادة 62 من ظهير التحفيظ العـــــــقاري،و كـــــــذلـــــك على مقررات

مجلس الوصاية المحصنة بمقتضى المادة 12 من ظهير 27 أبريل 1919 المتـــعلق بالأراضي الجمـاعية [73]،

و أيضا على قرار رفض المحافظ للتعرض الاستثنائي المنصوص عليه في الفصل 29 من نفس الظهير.

ــ أن حق التقاضي “هو حق من الحقوق العامة مكفول لكل الناس و مقرر بموجب الدستور، و هو صورة من صور الحريات العامة، حيث يحق للأفراد أن يلتجئوا إلى القضاء عارضين عليه مزاعمهم وهم أحرار في ذلك”[74] ” فالحق في التقاضي يقوم مقام الحريات المضمنة قانونا و لا يمكن الحرمان منها”[75]،”بمعنى أن صاحب الحق له مطلق الحرية في الالتجاء إلى القضاء للمطالبة بحقه، و له أيضا مطلق الحرية في تحديد الوقت أو الظروف الملائمة التي يبــــاشر فيها دعواه”[76] مع مراعاة مقتضيات الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية و الذي يقضي بأنه ” لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة، و الأهلية،و المصلحة لإثبات حقوقه “، وهي من النظام العام، يجب على القاضي أن يثيرها من تلقاء نفسه متى تبين له من أوراق الملف انعدام أحدها.

و خلاصة القول يمكن التأكيد من خلال ما سبق أن:

  • حق التقاضي يعتبر من الحريات العامة الأساسية،أي أنه حق عام……
  • و هو في طبيعته نوع من أهلية الوجوب،…….
  • حق التقاضي هو الإطار العام لإسباغ عدالة مجردة…….
  • حق التقاضي منظم بالدستور ذاته……
  • حق التقاضي الأصل فيه دائما أنه حق مطلق، لا يرد عليه تقييد….[77]

2 ـ  رقابة شرعية القرارات الإدارية

     يذهب جانب من الفقه في المغرب استنادا إلى مقتضيات الفصل 62 من ظ ت ع و الذي ينص على أنه ” إن الرسم العقاري نهائي و لا يقبل الطعن، و يعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية و التحملات العقارية المترتبة على العقارات وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق غير المقيدة” إلى القول بأن قرار المحافظ العقاري بتأسيس الرسم العقاري غير قابل للطعن،يسنتد إلى ما يسمى بنظرية التـــــــحصين الــــــــتـــــشريــعي،

      و يعرف الفقه نظرية التحصين التشريعي بأنها “عبارة عن حصانة تشريعية يضفيها المشرع على بعض القرارات الإدارية بهدف استبعادها من ميدان الرقابة،حيث يعمد إلى تجريد الأفراد من حق التقاضي و مخاصمة القرار الإداري المحصن تشريعيا أمام القضاء”[78].

     إن الإعمال المفترض لمقتضيات الفصل 118 من الدستور على قرارات المحافظ، الذي “هو نص دستوري أسمى من قانون التحفيظ العقاري و النص التنظيمي المكمل له و الذي يحدد جهة القضاء الإداري كجهة مختصة برقابة شرعية كل قرار إداري سواء كان فرديا أو تنظيميا”[79] يترتب عنه خضوع جميع قرارات المحافظ غير القابلة للطعن للرقابة القضائية.

     و تعد نظرية التحصين التشريعي من بين النظريات المعاكسة لمبدأ المشروعية و الذي يفترض خضوع جميع القرارات الإدارية للقانون و الامتثال لضوابطه و مساطره كيفما كانت الجهة الإدارية المصــــدرة للقرار، و كيفما كان مضمونه.

     و مما لا جدال فيه أن هذا النص الدستوري ستكون له آثاره الايجابية في اتجاه تطوير الفكر القانــــــــــــوني و الاجتهاد القضائي من زاويتين :

الأولى : لن يكون في إمكان أي قرار إداري، و كيفما كانت الجهة المصدرة له، الإفلات من رقابة الشرعية أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة حتى و لو كان محصنا بمقتضى القانون، كما لن يكون في مقدور أي سلطة أو هيئة إدارية الاحتجاج بالتحصين التشريعي لقراراتها من أجل الدفع بعدم قبول دعوى الإلغاء، و هذا ما ينطبق على مجموعة من قرارات المحافظ العقاري و لعل  قرار التحفيظ الصادر عن المحافظ العقاري المحصن بالمادة 62 من ظ.ت.ع. يوجد في مقدمتها، إضافة إلى قرارات أخرى مثل قرار رفض التعرض المقدم خارج الأجل القانوني المحصن بالمادة 29 المعدلة بالقانون 14.07 .

الثانية : أن هذا النص الدستوري سيفتح الباب مستقبلا لبروز اجتهاد قضائي يدفع في اتجاه توحيد الجهة القضائية المختصة بالنظر في الطعون المقدمة ضد قرارات المحافظ العقاري و ذلك لفائدة جهة القضاء الإداري، و من تم وضع جد لمسألة توزيع الاختصاص بين القضاء العادي و القضاء الإداري على اعتبار أن ظهير التحفيظ العقاري المعدل بالقانون 14.07 و القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 المكمل له يمنح الاختصاص للقضاء العادي بموجب نصوص قانونية صريحة من أجل البث في الطعون الموجهة ضد بعض أنواع القرارات الصادرة عن المحافظ العقاري و هي :

  • قرار رفض التحفيظ ( الفصل 37 مكرر من ظ.ت.ع.)
  • قرار رفض تقييد حق عيني أو التطيب عليه ( الفصل96 من ظ. ت.ع. )
  • قرار المحافظ تصحيح الأغلاط المادية تلقائيا بالرسم العقاري أو رفض التصحيح بناء على طلب وفقا للمادة 29 من القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 بشأن تفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري.
  • قرار رفض تسليم نظير الرسم العقاري أو الشهادة العقارية الخاصة بالتقييد الواردة في المادة103 من ظ.ت.ع.

     في حين ينعقد الاختصاص للقضاء الإداري للبث في الطعون الموجهة ضد غيرها من قرارات المحافظ العقاري لانعدام الدعوى الموازية .

     و يستند هذا التأويل المشار إليه أعلاه (توحيد الجهة القضائية المختصة بالنظر في الطعون المقدمة ضد قرارات المحافظ العقاري و ذلك لفائدة جهة القضاء الإداري) ،إلى الفصل 118 من الدستور الذي يحدد جهة القضاء الإداري كجهة مختصة برقابة شرعية كل قرار إداري سواء كان فرديا أو تنظيميا، على

     خلاصة، يمكن القول بأن مقتضيات الفصل 118 من الدستور توفر ضمانات دستورية كافـــية للأفــــــــــراد و الجماعات من أجل حقهم في التقاضي، كما توفر الأساس الدستوري الكافي الذي يمكن أن يستند عليه القضاء الإداري ليبسط رقابته على مشروعية أي قرار إداري و لو كان محصنا تشريعيا.

الفقرة الثانية : آثار خضوع  قرار التحفيظ للفصل 118 من الدستور.

     من الواضح أن مقتضيات الفصل 118 من الدستور ستكون لها أثارها الايجابية على مستوى تطوير الفكر القانوني و الاجتهاد القضائي، و من أهم الآثار:

1ـ  انعدام الصفة النهائية لقرار التحفيظ العقاري.

     مما لا شك فيه أن أهم الآثار التي تترتب على تأسيس الرسم العقاري تلك القاعدة المتمثلة في نهائية الرسم العقاري، و التي بمقتضاها يطهر العقار المحفظ من جميع الحقوق المترتبة عليه،و التي لم يتم التصريح بها أثناء جريان مسطرة التحفيظ،و تستمد هذه القاعدة و جودها مما نص عليه الفصلين 1 و 62 من ظهير غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري.

     فالصفة النهائية لقرار التحفيظ تعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية و التكاليف العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيزه دون ما عداها من الحقوق غير المسجلة، “فنهائية الرسم العقاري من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها مؤسسة التحفيظ العقاري، فإذا قام الدستور الجديد من تجريده إياها ستشكل ضربا لتلك المبادئ الأساسية باعتبارها الجوهر و المحور الذي تدور في فلكه باقي القواعد الأخرى”[80]

     وتبعا للمقتضيات الدستورية الجديدة الواردة في الفصل 118 التي نصت على حق التقاضي و منع تحصين القرارات الإدارية فإن نظام التحفيظ العقاري سيفقد إحدى أهم مبادئه الأساسية التي يقوم عليها وهي الصفة النهائية .

2ـ قابلية  قرار التحفيظ للطعن أمام القضاء الإداري.

    يعتبر المحافظ العقاري مؤسسة إدارية، و جميع قراراتها يجب أن تكون قابلة للطعن أمام القضاء الذي يعتبر بقوة الدستور حامي حقوق الأشخاص و الجماعات و حرياتهم و أمنهم القضائي “يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص و الجماعات و حرياتهم و أمنهم القضائي، و تطبيق القانون”[81]،و ما دام المشرع المغربي في قانون التحفيظ أبقى على الوضعية التي تعتبر قرار التحفيظ القرار الوحيد من بين القرارات المحصنة و المستبعدة مبدئيا من أية رقابة لمشروعيتها،فإنه لا يمكن التسليم للعمل الإداري بمثل هذه الصفة النهائية التي تفلت من اختصاص الجهات القضائية كافة إلا أن يكون من أعمال السيادة و لا يتصور أن يكون القانون أقوى من الدستور.

     كما أن القضاء الإداري بدوره اعتبر عدم القابلية للطعن لا يشمل الطعن بالإلغاء وقرر مبدأ عاما يسري على أي قرار إداري تم تحصينه تشريعيا ضد الطعن مفاده أن للطعن بالإلغاء ضد القرارات الإدارية يهدف إلى حماية الشرعية و لا يمكن أن يستثنى منه قرار و لو تعلق الأمر بقرار إداري صدر في إطار قانون ينص على عدم قابلية للطعن ما دام أن مبدأ مراقبة الشرعية يعتبر مبدأ دستوريا.

     وتمثل الرقابة القضائية الضمان الحقيقي و الفعال لمبدأ المشروعية، و يتمثل في إخضاع تصرفات السلطات العامة للرقابة القضائية. و الرقابة  القضائية على قرارات المحافظ العقاري باعتباره سلطة إدارية في المغرب تكتسي أهمية قصوى لكون القضاء يبسط ولايته على قرارات ذات طبيعة خاصة لموظف ألزمه و كبله بمسؤوليتين، الأولى نص عليها ق.ل.ع. في الفصلين 79 و80 و الثانية نص على حكامها قانون التحفيظ العقاري.

     ولذلك ينبغي على المحاكم الإدارية قبول الطعون المقدمة أمامها ضد قرارات المحافظ الصادرة بتحفــيظ العقار، و لا يمكن التذرع بمقتضيات الفصول 1 و 62 من ظهير التحفيظ العقاري ما دامت مخالفة لقواعد الدستور الذي هو أسمى قانون في البلاد، وامتثالا لبعض الآراء الفقهية التي تفيد  “بقبول الطعن بالإلغاء و لو نص المشرع صراحة على عدم قبول  القرار الإداري لأي طعن،كما هو الحال في ظهير 27 أبريل 1919 المتعلق بالأراضي الجماعية، ذلك أن المجلس الأعلى و المحاكم الإدارية قبلا الطعن في قرارات مجلس الوصاية على الجماعات الأصلية رغم كون الفصل 12 من الظهير المذكور المعدل بظهير 6 يونيو 1963 ينص على أن قرارات مجلس الوصاية تكون مدعمة بأسباب و غير قابلة لأي طعن “[82]، “كما أن المجلس الأعلى قد سبق له أن سار في نفس الاتجاه في قضية وليام وول ضد الأمين العام للحكومة قرار رقم 261 عدد 16ـ02ـ1963 “[83]، و لئن ” استطاع الفصل 62 الصمود في وجه القضاء بالرغم من كون المحاكم الإدارية اتخذت موقفا إيجابيا من مبدأ قبول الطعن في قرار التحفيظ غير أنها لم تستطع إلغاءه عند مناقشة الجوهر”[84].

لكن ما هي الآثار المترتبة عن التحصين التشريعي لقرار التحفيظ من وجهة نظر الفقه ؟

و ما هي الاعتبارات التي يستند عليها كل فريق من الفقه لتبرير موقفه ؟

 ذلك ما سنروم البحث فيه، في المبحث الثاني من هذا الفصل.

[1] معجم المعاني لكل رسم معنى http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar بتاريخ 6 ماي 2016 على الساعة 10 صباحا

[2]  سورة غافر الآية 64

[3] معجم المعاني لكل رسم معنى م س

[4] جبران مسعود،الرائد، معجم المعاني في اللغة و الإعلام، دار العلم للملايين،الطبعة 3، يوليوز2005،ص 351

[5] المنجد في اللغة و الإعلام،طبعة المئوية الأولى، دار الشروق،بيروت،الطبعة 43 ص 142 .

[6] محمد ابن الحاج السلمي” الطعن بالنقض الموقف للتنفيذ في قضايا التحفيظ”مقال منشور في مؤلفه مقالات وأبحاث في التحفيظ العقاري، دار القلم للطباعة

والنشر ة التوزيع ، الرباط، الطبعة 1 ، مارس 2007 ص 135.

[7] لقد تم تغيير و تتميم هذا القانون بموجب ظهير شريف رقم 1.11.177الصادر في 25 من ذي الحجة 1432(21 نونبر2011)بتنفيذ القانون رقم 14.07

المغير والمتمم بمقتضاه الظهير الشريف الصادر في 9رمضان1331(12 غشت 1913)المتعلق بالتحفيظ العقاري، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5998

ص 5575 وما بعدها الصادرة بتاريخ 24.11.2011

[8] عبد الواحد مضيان، الإشكالات القانونية و العملية لتطبيق الأحكام القضائية من قبل المحافظ على الأملاك العقارية رسالة لنيل شهادة الماستر في شعبة

العقار و التنمية ، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية طنجة ، السنة الجامعية 2014/2015ص 102

[9] محمد ابن معجوز، محاضرات في أصول الفقه، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 1996 ص 60

[10] محمد ابن الحاج السلمي،سياسة التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي ، طبعة ماي 2002، ص 135.

[11] محمد ابن الحاج السلمي، م س ص 131 و ما بعدها

[12] محمد ابن الحاج السلمي م س  ص 29

[13] حالات التحفيظ الإجباري في القانون

[14] في حالة وجود نزاعات في شكل تعرضات من أجل البث فيها

[15] في حالة عدم وجود تعرضات على مطلب التحفيظ

[16] قد يكون قطاعا خاصا و قد يكون جهازا إداريا داخل المحافظة العقارية .

[17] عبد الرزاق عريش،مستجدات الطعون القضائية ضد قرارات المحافظ العقاري في ضوء القانون14.07 و مقتضيات الدستور الجديد، مقال منشور في

مجلة  القضاء المدني ،المنازعات  العقارية ،الجزء الأول،مطبعة المعارف الجديدة الرباط،ص 144و145

[18] مرسوم 2.94.422 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 4288 بتاريخ 4 يناير 1995

[19]ظهير شريف رقم 1.02.125 الصادر في 13 يونيو 2009 بتنفيذ القانون رقم 58.00 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية المنشور

بالجريدة الرسمية عدد 5032 في 22 غشت 2002

[20] خالد مداوي، مسطرة التحفيظ العقاري”السلسلة العقارية، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، سنة 2000 ص 15

[21] مأمون الكزبري ، التحفيظ العقاري و الحقوق العينية الأصلية و التبعية في ضوء التشريع المغربي،مطبعة النجاح الجديدة، الجزء الأول،الطبعة الثانية سنة

1987 ،ص 9

[22] عبد العلي بن محمد العبودي،نظام التحفيظ العقاري و إشهار الحقوق العينية بالمملكة المغربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية2003 ص 13

[23] قرار رقم 125 من الملف الإداري رقم 5676،أورده توفيق عبد العزيز ” قضاء المجلس الأعلى في التحفيظ خلال 40 سنة،مطبعة النجاح، الدار البيضاء سنة 1999 ص 178و179

[24] محمد الهيني،تقييم لنظام الطعن في قرارات المحافظ العقاري بين القضاء الإداري و القضاء الإداري على ضوء مستجدات قانون التحفيظ العقاري، مقال

منشور في سلسلة فقه القضاء العقاري، مستجدات القوانين العقارية على ضوء الاجتهاد القضائي،منشورات مجلة العلوم القانونية، العدد الثاني ص 54.

[25] هاجر الأحمدي، خصوصية القضاء المغربي في المنازعات العقارية لمسطرة التحفيظ، رسالة لنيل الماستر في ،ص 167

[26]  أحمد أجعون،المنازعات العقارية بين المحاكم الإدارية و المحاكم العادية،دار الأمان الرباط ، الطبعة الأولى 2016 ص 264

[27]محمد ابن الحاج السلمي سياسة التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي ، م س  ص 113

[28] نص الفصل 96 من ظ. ت. ع” يجب على المحافظ على الأملاك العقارية في جميع الحالات التي يرفض فيها تقييد حق عيني أو التشطيب عليه أن يعلل

قراره و يبلغه للمعني بالأمر.يكون هذا القرار قابلا للطعن أمام المحكمة الابتدائية التي تبت فيه مع الحق في الاستئناف. و تكون القرارات الاستينافية قابلة

للطعن بالنقض ”

[29] محمد ابن الحاج السلمي، سياسة التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي، م س ، ص 114

[30] الفصل 62 من قانون التحفيظ العقاري

[31] محمد ابن الحاج السلمي التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي ، م س ،ن ص

[32] عبد الواحد مضيان، الإشكالات القانونية و العملية لتطبيق الأحكام القضائية من قبل المحافظ على الأملاك العقارية، م س  ص 111

[33] عبد الواحد مضيان، م س ص 106

[34] محمد ابن الحاج السلمي، التقييد و التشطيب بالسجلات العقارية وفق مستجدات القانون رقم 14.07، مطبعة دار القلم،الرباط، الطبعة الأولى 2015 ص3

[35] حسن الزاهر،مقال حماية الملكية العقارية،م س ص 27

[36] زكرياء العماري،نهائية الرسم العقاري بين الإطلاق و التقييد دراسة مركزة في الاستثناءات الواردة على قاعدة التطهير، مقال منشور في مجلة  القضاء

المدني ،المنازعات  العقارية ،مطبعة المعارف الجديدة الرباط،الجزء الأول،ص 94

[37] زكرياء العماري،نهائية الرسم العقاري بين الإطلاق و التقييد دراسة مركزة في الاستثناءات الواردة على قاعدة التطهير، م س ص 95

[38] محمد ابن الحاج السلمي، التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي م س ، ص 114

[39] محمد ابن الحاج السلمي،  م س ص 115.

[40]عبد الحق دهبي،الطعن في قرارات المحافظ على الأملاك العقارية،مقال منشور سلسلة الندوات و الايام الدراسية، نحو تشريع عقاري جديد،العدد 38

ـ2011 المطبعة و الوراقة الوطنية ، الطبعة الأولى ص 161

[41] محمد ابن الحاج السلمي، سياسة التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي ،م س ،ص 64

[42] محمد ابن الحاج السلمي، م س ، ص 119

[43]  أحمد أجعون،المنازعات العقارية بين المحاكم الإدارية و المحاكم العادية،ص 266 و267

[44]  محمد الأعرج، أشخاص القانون الخاص و إصدار القرار الإداري في أحكام القاضي الإداري،المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية عدد 50 ماي يونيو

2003 ص 149 و 150

[45]زكرياءالعماري،نهائية الرسم العقاري بين الإطلاق و التقييد دراسة مركزة في الاستثناءات الواردة على قاعدة التطهير، م س ص 94

[46] عبارة أوردها محمد ابن الحاج السلمي،سياسة التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي ،م س ، على

الهامش ص 29

[47] محمد ابن الحاج السلمي، م س ، ص 122

[48]  حسن الزاهر :،حماية الملكية العقارية م س ص 46

[49]  عبد الكريم حيضرة،قرار التحفيظ و إمكانية الطعن فيه،منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية عدد 96 سنة 2011 ص 53

[50]  أحمد أجعون،المنازعات العقارية بين المحاكم الإدارية و المحاكم العادية، م س  ص 264

[51]  فلا يعقل صدور قرار التحفيظ دون استكمال مطلب التحفيظ لجميع المراحل التي سنها المشرع لاستيفاء الإجراءات اللازمة من تحديد و نشر و إشهار،كما

لا يمكن تصور وقوع مثل هذه الحالة مع وجود تعرضات في مطلب التحفيظ.

[52] عبد الحق دهبي،الطعن في قرارات المحافظ على الأملاك العقارية  م س ص 161

[53] محمد ابن الحاج السلمي، سياسة التحفيظ العقاري في المغرب بين الاشهار العقاري و التخطيط الاجتماعي ـ الاقتصادي،م س  ص 142

[54] محمد خيري، قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، الطبعة الخامسة 2010، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط ، ص 66.

[55] أحمد ادريوش، أصول نظام التحفيظ العقاري، مطبعة الأمنية الرباط،2003 ص  10و 11

[56] محمد ابن الحاج السلمي،مقالات و أبحاث في التحفيظ العقاري، مطبعة دار القلم للطباعة و النشر و التوزيع، الرباط، الطبعة الأولى 2004 ص 101

[57] أحمد السكسيوي،تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في التحفيظ العقاري بين تنظيم النص القانوني و إشكالات التنفيذ،دراسة نقدية على ضوء القانون رقم

14.07 ووفق الاجتهاد القضائي، مقال منشور في سلسلة فقه القضاء العقاري،مستجدات القوانين العقارية على ضوء الاجتهاد القضائي،العدد 2 ، منشورات

مجلة العلوم القانونية،  ص 237

[58]عبد الخالق أحمدون، التحفيظ العقاري بالمغرب،مقتضياته القانونية و إشكالاته العملية،مطبعة طوب بريس الرباط ،2010 ص 153

[59] عبد الخالق أحمدون، م س ص 154

[60] محمد خيري،التعرضات أثناء التحفيظ العقاري في التشريع المغربي،جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية،أطروحات و

رسائل جامعية،السلسلة العربية2، نشر و توزيع دار الثقافة، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى،1983 ص 177

[61]عبد الحميد أسويق،التقييدات على الرسوم العقارية وفق مستجدات القانون رقم 14.07،سلسلة المعارف القانونية و القضائية،منشورات مجلة الحقوق،دار نشر المعرفة،طبعة 2015 ص 6

[62]عبد العلي بن محمد العبودي،نظام التحفيظ العقاري و إشهار الحقوق العينية بالمملكة المغربي، م س ص 12

[63] محمد خيري،مستجدات قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،طبعة2013 ص 381

[64] عبد الحميد أسويق،التقييدات على الرسوم العقارية وفق مستجدات القانون رقم 14.07 م س ص 17

[65] محمد خيري، قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي م س  ص 343

[66]محمد خيري، مستجدات قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، م س ص 198ـ199

[67] عبد القادر لشقر،إشكالية الطعن في قرارات المحافظ على الأملاك العقارية في ضوء مستجدات قانون التحفيظ العقاري رقم 14.07 و دستور2011،

مقال منشور بمجلة الحقوق، سلسلة الأنظمة و المنازعات العقارية،المستجدات التشريعية في المادة العقارية، الإصدار السابع، فبراير2013،مطبعة

المعارف الجديدة، الرباط ص 286.

[68]عبد الرزاق عريش،مستجدات الطعون القضائية ضد قرارات المحافظ العقاري في ضوء القانون14.07 و مقتضيات الدستور الجديد، مقال منشور

في مجلة  القضاء المدني ،المنازعات  العقارية  م س ،ص 151

[69] المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948

[70] راجع تصدير دستور المملكة المغربية لسنة 2011

[71] راجع تصدير دستور المملكة المغربية لسنة 2011

[72] راجع نص الخطاب الملكي السامي ل 7 يونيو 2011 بمناسبة الاستفتاء على دستور 2011

[73]محمد الهيني، تأملات بشأن دستورية بعض تعديلات ظهير التحفيظ العقاري،منشور في سلسلة فقه القضاء العقاري،مستجدات القوانين العقاري

على ضوء الاجتهاد القضائي،منشورات مجلة العلوم القانونية، العدد الثاني ص 195

[74] عبد اللطيف البغيل،التقاضي أمام المحاكم المدنية من رفع الدعوى إلى صدور الحكم،دارأبي رقراق للطباعة و النشر،الطبعة الثالثة،ص 23

[75] نورا الحجاجي،الطعن في قرار المحافظ بين النص القانوني و اجتهاد القضاء الإداري،سلسلة البحث القانوني7،منشورات مجلة العلوم القانونية، الطبعة الأولى ، مطبعة الأمنية ، ص 27

[76]عبد اللطيف البغيل،التقاضي أمام المحاكم المدنية من رفع الدعوى إلى صدور الحكم،م س ،ص 32

[77] عبد اللطيف البغيل ،م س ص 24

[78] عبد الرزاق عريش،الطعون القضائية ضد القرارات الصادرة عن المحافظ العقاري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون

الخاص،جامعة محمد الخامس أكدال،ص 62

[79] عبد الرزاق عريش،مستجدات الطعون القضائية ضد قرارات المحافظ العقاري في ضوء القانون14.07 و مقتضيات الدستور الجديد م س ص 153

[80] عبد الكريم السرغيني،قاعدة التطهير الناتجة عن تحفيظ العقار ة تطبيقاتها العملية،رسالة ماستر العقود و العقار، كلية العلوم القانونية و الاقــــــــــتصادية

و الاجتماعية ،وجدة سنة 2008 ص 12

[81] الفصل 117 من دستور 2011

[82] نورا الحجامي ،الطعن في قرار المحافظ بين النص القانوني و اجتهاد القضاء الإداري م س ص 51

[83] محمد لمزوغي،تطبيق مقتضيات ظهير 27 أبريل 1919 بشأن تنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وضبط تدبير شؤون الأملاك

الجماعية و تفويتها،مقال منشور في “أراضي الجماعات السلالية بالمغرب: الإطار التشريعي ة التطبيقات القضائية”، سلسلة الأنظمة العقارية

و المنازعات العقارية، الإصدار الأول، منشورات مجلة الحقوق المغربية، الطبعة الثانية 2012 ص 20

[84]عبد الرزاق عريش،مستجدات الطعون القضائية ضد قرارات المحافظ العقاري في ضوء القانون14.07 و مقتضيات الدستور الجديد م س ص 151

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق